
تتصاعد المخاوف في جنوب لبنان على مصير مواقع أثرية تاريخية، يعود بعضها لمئات السنين (كامل جابر - اندبندنت عربية)
المواقع التي صمدت قروناً في وجه الزمن وحتى الحروب السابقة، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام أدوات الحرب الحديثة
ملخص
تتصاعد المخاوف في جنوب لبنان على مصير مواقع أثرية تاريخية، يعود بعضها لمئات السنين، وهي تقع في جنوب نهر الليطاني وضمن قرى وبلدات تتعرض لاستهداف عسكري إسرائيلي بشكل متواصل، ما يرجح فرضية أن يطاولها القصف وربما يهدمها بشكل كامل.
لم تعد الحروب الحديثة تكتفي بالانتصارات العسكرية والجغرافية ونسف البنى التحتية، بل باتت تخوض معركة موازية ضد الذاكرة، إذ يتحول التراث الثقافي إلى هدف مباشر أو ضحية محسوبة ضمن استراتيجيات الصراع. فالمواقع الأثرية، بما تحمله من رمزية تاريخية وهويات متراكمة، لم تعد خارج نطاق الاستهداف، بل أصبحت في قلبه، في مشهد يعكس اتساع مفهوم الحرب ليشمل محو الشواهد الحضارية وطمس السرديات المتجذّرة في المكان.
في هذا السياق، تتصاعد المخاوف في جنوب لبنان على مصير مواقع أثرية تاريخية، يعود بعضها لمئات السنين، وهي تقع في جنوب نهر الليطاني وضمن قرى وبلدات تتعرض لاستهداف عسكري إسرائيلي بشكل متواصل، ما يرجح فرضية أن يطاولها القصف وربما يهدمها بشكل كامل.
من ضمن هذه المواقع قلعة شمع، المعلم التاريخي البارز الذي يطل على الساحل جنوب لبنان ويختزن قروناً من التحولات العسكرية والدينية. فبعد إدراجها على لائحة الحماية المعززة عام 2024 وفق البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954، عادت القلعة لتكون اليوم في دائرة الخطر، مع ورود معلومات عن استهدافها مجدداً، بالتوازي مع تدمير مقام النبي شمعون الصفا المجاور، وهو موقع يجسد تقاطع الرمزية المسيحية والإسلامية في آن.
فيما لا يبدو ما يجري حادثاً معزولاً، بل حلقة في نمط متكرر من استهداف المعالم الأثرية في مناطق النزاع، حيث يتحول التاريخ إلى عبء يجب إزالته، أو إلى ورقة ضغط في معادلات عسكرية وسياسية. فالمواقع التي صمدت قروناً في وجه الزمن وحتى الحروب السابقة، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام أدوات الحرب الحديثة، فيما يتحول تدميرها إلى ضربة مضاعفة، مادية تطاول الحجر، ومعنوية تصيب الذاكرة الجماعية.
من هنا، لا تُقرأ الأخطار التي تحدق بقلعة شمع ومحيطها وبقية المواقع الأثرية في لبنان بمعزل عن سياق أوسع، يتجاوز الجغرافيا اللبنانية ليطرح سؤالاً ملحاً حول مستقبل التراث الإنساني في زمن النزاعات المفتوحة، وفيه "هل باتت حماية الآثار ترفاً قانونياً أمام منطق القوة، أم أن استهدافها بات جزءاً من إعادة رسم الخرائط، ليس فقط على الأرض، بل في الوعي أيضاً؟".
قلعة شمع في جنوب لبنان
قبل أيام قليلة أعلنت المديرية العامة للآثار التابعة لوزارة الثقافة اللبنانية، في بيان وزعته على الإعلام، أنها تقدمت بشكوى عاجلة إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" طالبة منها التدخل الفوري والسريع لحماية الموقع الأثري لقلعة شمع في جنوب لبنان بعد ورود معلومات تفيد بأن قوات الجيش الإسرائيلي تقوم بتدمير موقع القلعة، المدرج على لائحة الحماية المعززة، مع الإشارة إلى أن موقع قلعة شمع كان قد تعرض للقصف من قبل القوات الإسرائيلية خلال معارك عام 2024.
تقع قلعة شمع فوق سلسلة تلال ترتفع نحو 380 متراً عن سطح البحر القريب منها وتطل على الساحل اللبناني وتتميز بموقع جغرافي استراتيجي يطل كذلك على مساحات من ساحل حيفا في شمال إسرائيل.
وتذكر المعلومات التاريخية أن قلعة شمع كناية عن "حصن صليبي تاريخي" بني نحو عام 1116. ويقول مؤرخون إنها بُنيت من قبل الصليبيين في القرن 12 الميلادي كحامية عسكرية ومقر الحاكم لمراقبة الطرق البرية والبحرية، وتُعرف أيضاً بتسميات أخرى، منها قلعة "سكاناليوم" أو قلعة "إسكندرونة".
يجاور القلعة كذلك مقام تاريخي يحمل اسم "النبي شمعون الصفا"، الذي وردت معلومات وصور عن أن الجيش الإسرائيلي المتقدم براً نحو بلدات الناقورة والبياضة وشمع البلدة والقلعة قرب الساحل الغربي جنوب مدينة صور، قام بتدميره قبل ساعات بعد تفخيخه.
وترجح المعلومات التاريخية بأن هذا المقام هو موقع أثري ومزار ديني بارز يعود بناؤه الأول إلى عام 1079 ميلادي، وسط ترجيحات بأنه يضم ضريح "النبي" شمعون الصفا (ضريح القديس سمعان، شمعون، سيمون، أو بطرس الصخرة)، وهو مقام لشخصية مسيحية مهم وله مكانة إسلامية أيضاً، فيما يرمز إليه على أنه رمز "التعايش" في المنطقة، ناهيك عن أنه مدرج على قائمة المواقع التراثية اللبنانية، التابعة لوزارة الثقافة.
الإسرائيليون وقلعة شمع
في دراسة نشرها عالم الآثار الدكتور علي بدوي، يشير إلى أن "الموقع الاستراتيجي لقلعة شمع هو السبب الرئيس وراء قرار إسرائيل بتحويلها إلى مقر عسكري في عام 1978، أثناء الغزو الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان (ضمن عملية الليطاني)، وفي اجتياح عام 1982 أصبحت القلعة مقراً عسكرياً. في ذلك الوقت، ومن أجل السماح للدبابات بالدخول، أزالوا بوابتها الرئيسة التاريخية. ويتردد أنهم أزالوا أيضاً كل شيء داخل ساحة المقبرة وما قد يكون ذا أهمية أثرية كبيرة".
ويضيف بدوي، وهو مسؤول المواقع الأثرية في جنوب لبنان في وزارة الثقافة، أن الإسرائيليين قاموا عام 1990 بتغيير وتدمير عديد من هياكل المقبرة وبواباتها. ويضيف "في حرب يوليو (تموز) 2006 تم تدمير أربعة أجزاء من القلعة، نصب النبي (شمعون)، والقلعة، والبيوت القديمة في القلعة والجدران المحيطة بها، دمرت في الغالب بالصواريخ والقصف المدفعي. كانت القلعة تتساقط يوماً بعد يوم وفقدت أجزاء كثيرة منها. وكان القرويون ينتظرون بشدة أعمال الترميم وسط مخاوف من انهيار بقاياها الأثرية بشكل كامل مع مرور الوقت"، لكن الغارات توقفت وأعمال الترميم بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2014، بمساعدة الحكومة الإيطالية.
لكن القلعة عادت وتعرضت مع مقام النبي شمعون الصفا إلى تدمير متقصد خلال حرب عام 2024 بعدما حاولت القوات الإسرائيلية احتلال قلعة شمع والقرية التي تحمل اسمها، فأصاب أكثر التدمير المقام، وانهارت إحدى قببه الأربع ومئذنته وعديد من غرفه، قبل أن يعيد الأهالي ترميمه لاحقاً عن جديد.
شمعون الصفا في التاريخ
يقول بدوي إن "شمعون الصفا (بطرس الصخرة) هو وصي المسيح عليه السلام، ورد اسمه في المصادر العربية شمعون بن حمون بن عامة. وفي الإنجيل هو سمعان بن يونا أو يونان الملقب بـ‘الصفا‘. والصفا كلمة عربية تعني الحجر الصلب الأملس، ويقابلها باليونانية بيتروس ومنها بطرس، وبالآرامية كيفا ومعناها الحجر أو الصخر. ولشمعون الصفا أسماء أخرى بحسب اللغة المستخدمة، منها شمع؛ كيفا؛ بيتر؛ بيير؛ سيمون؛ كيفاس وعديد من الأسماء. وفي قاموس الكتاب المقدس: بطرس اسم يوناني، ومعناه صخرة أو حجر، وكان هذا الرسول يسمى أولاً سمعان فلما اتبع المسيح سمي كيفا. وقد سماه المسيح بهذا الاسم. وسمعان كلمة عبرية، يقابلها شيمون بالسريانية، التي هي شمعون بالعربية".
ويضيف بدوي "تتفق المعلومات التاريخية على أن مقام النبي شمعون بن حمون بن عامة، الملقب بالصفا، سبق بناء جارته قلعة شمع في عام 1116. وتؤكد وثيقة حجر المئذنة، الذي ظهر بعد عملية الترميم بعد عام 2000، أن تاريخ بنائها هو في عام 490 هجرية (1096/1097 ميلادية)، أي قبل دخول الصليبيين القرى المشرفة على مدينة صور. وكان البناء القديم يتألف من طبقتين، إلى أن أقيمت الأسوار فطمرت الطبقة السفلى نهائياً من الناحية الغربية. وظل تاريخ بناء المقام مجهولاً، بيد أن بعض الدراسات توصلت إلى أن الضريح كان محط زيارة عديد من علماء ومشايخ الإسلام قبل عام 1100هجرية (1688 و1689 ميلادية)، وكتبوا عنه وحوله عديداً من القصائد والدراسات".
مسجد بنت جبيل ركاماً
قبل ساعات، ذكرت وسائل إعلام محلية لبنانية، وبخاصة تلك المعنية بأخبار الجنوب مباشرة، أن القوات الإسرائيلية التي تحاول احتلال مدينة بنت جبيل قامت بتدمير مسجدها الكبير، وجاء في خبر متداول أن "مسجد بنت جبيل الكبير حارس أحلامنا لأكثر من أربعة قرون أضحى اليوم ركاماً. ‘حاكورة نص الضيعة‘ والساحة التي كانت تنبض بالحياة والتراث تحولت إلى ساحة منكوبة بعدما صب الاحتلال حمم حقده ليمحو قلب المدينة من الخريطة. إنها جريمة حضارية في حملة إبادة ممنهجة للتراث العمراني".
ويعتبر مسجد بنت جبيل الكبير، الذي يتميز بقبة ضخمة وعقود حجرية قديمة تعكس عمارته التقليدية، موقعاً أثرياً أكثر منه تراثياً، وتشير المعلومات التاريخية إلى أنه من أقدم وأضخم مساجد "جبل عامل" جنوب لبنان، ويعود تاريخ بنائه الأول إلى مطلع القرن 12 هجري، إذ جُدّد عام 1300 على يد الحاج سليمان بزي بإشراف الشيخ موسى شرارة، وشُيّد على أنقاض معبد روماني قديم. خضع لترميمات عديدة، منها قبل نحو 200 عام، ويمثل مركزاً دينياً وثقافياً هاماً في المنطقة.
وفي الوقت عينه، تقول تقارير إن أقدم تاريخ لعمر البناء الأساس للمسجد يعود إلى العصور الرومانية، إذ كان يوجد معبد روماني تشير إليه إحدى الصخور هناك، وقد حفر عليها ما ترجمته "هنا بيت الرب"، إضافة إلى عديد من الحفريات التي تعيد تاريخ هذه المنطقة إلى ذلك العصر.
وكانت مدينة بنت جبيل القديمة قد تعرضت لتدمير ممنهج خلال حرب يوليو 2006، إذ صب الجيش الإسرائيلي جام غضبه على عاصمة المحافظة ودمر بطيرانه الحربي ومدفعيته الثقيلة العمارات التراثية فيها بعدما حاول احتلال المدينة ولم يفلح، وسقط له فيها عديد من ضباطه وجنوده.
حماية معززة للمواقع التاريخية
وقبل أسبوعين منحت منظمة "اليونيسكو" 39 موقعاً ثقافياً وتاريخياً في لبنان حماية معززة، في إطار التدابير الطارئة لحماية المواقع التراثية في جميع أنحاء البلاد خلال الحرب، بعد أن طلبت بيروت دعماً دولياً في ظل الحرب الدائرة. وكانت المنظمة عقدت اجتماعاً استثنائياً للجنة حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح منحت على أثره حماية للمواقع الثقافية اللبنانية، إضافة إلى تقديم مساعدة مالية دولية تزيد قيمتها على 100 ألف دولار أميركي للعمليات الطارئة على أرض الواقع.
وقالت اليونيسكو في بيان "تتمتع هذه المواقع الثقافية الـ 39 الآن بأعلى مستوى من الحماية القانونية ضد الاعتداء والاستخدام لأغراض عسكرية. ويُعد عدم الامتثال لهذه البنود انتهاكاً جسيماً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولها الثاني لعام 1999، ويشكل أساساً محتملاً للمسؤولية الجنائية".

معالم أثرية طالها القصف في جنوب لبنان (كامل جابر - اندبندنت عربية)

معالم الجنوب الأثرية وسط الحروب
الخيام | khiyam.com
تعليقات: